 |
آراء و مقالات |
 |
الطريدة، كركوك والمدينة القومية
تعد مدينة العذابات كركوك اليوم كلقمة الصياد يتهافت عليها الجميع دون الرجوع الى الطريدة نفسها والسؤال عن إرادتها ورأي أبنائها. كركوك المدينة لولا أن أنعم البارئ عز وجل عليها تراب كي وان المالحة ونيران باباكركر الأزلية واكتشاف بني البشر النفط الذي يجري في عروقها النبيلة والسخية والمعطاة والذي ومن المؤمل ان تفيض خيرا وبركة على الانسانية جمعاء نصف دهر آخر. أقول لولا ذلك لبقت المدينة كإحدى المدن المنسية والقابعة على أطراف الذكريات وربما حذفها التاريخ من صفحاتها كما حصلت مع مدن عامرة وحضارة راقية اخرى. مدينة لا ينتبه الناس الى وجودها لو مروا منها كتلك النقطة صغيرة على الخارطة. وكانت ربما عدد نفوس سكانها لا يربو مجموع سكان قرى منطقة افتخار الخمسة. وكانت مساحته المدينة لا تتعدى تلك الرقعة الطيبة من تراب تلك التل المقدس الذي بني الإنسان الكركوكي وعبر الزمن قلعة عليها ليصون بها ماله ووجوده الإنساني. لكن شاء القدر ان يغلي في عروقه ذلك السائل اللزج وليتدفق كالبركان مكونا طيفا من ألوان قوس القزح كلما انعكس من على سطح بركها أشعة الشمس. إن الثروة الوطنية التي تدفقت يوما من ارض باباكركر جاءت بالعمار للدنيا ولكنها كانت خرابا على أهل كركوك فبات كل قوم يدعي عائدية المدينة اليها فاصبحت كالفريسة بين أنياب الأحزاب السياسية التي قادت العراق في التاريخ المعاصر دون ان تعي تلك الاحزاب الى أهمية رأي المواطن العادي في شؤون وشجون مدينته ومستقبلها. ناهيك الدور التخريبي لدول الجوار واطماعهم في ثرواتنا.
لم تكن المدينة قط موضوع نزاع في التاريخ القديم فهي مدينة سكنها اقوام العراق القديم و من كافة الحلل والملل ممن اتوا غازين اليها من طامعين او ممن قدموا اليها حاملين رايات السلم والمحبة والتاخي ليسكنوا جنبا الى جنب مع ابناء المدينة البرة. هؤلاء جائوا وفي فترات زمنية متعاقبة جاء ذكرهم في العديد من الوثائق التاريخية. مدينة يستريح اليها المارة من تجار ومحاربين عابري طريق، مدينة تقع على طريق درب الحرير ولا اهمية لها في الاستراتيجية العسكرية حيث لا يمكن الدفاع عنها عسكريا الا عن طريق ذلك المرتفع التل الذي بني عليها قلعة كركوك المباركة وهي طبعا قلعة مدنية للسكنى البشر وغير عسكرية كبقية قلاع الدنيا العسكرية.
ان تطور المدينة لاحقا ارتبطت بفترة الوجود العثماني في المنطقة وقد اخذ تطورها مسارا شبه عسكري ببناء ثكنات لجنودها حول القلعة وفي الصوب الآخر من نهر خاصة الذي يشطر المدينة الى قسمين وبناء دور الحكومة وثكنات الجيش وبعض الدوائر الرسمية والتي بقت محافظة على على هذا التقليد فيما بعد حيث تطورت المدينة في قسمها الصغير بوجود البناء الحكومي للدوائر الرسمية والمحافظة ومقرات الجيش "الفرقة الثانية" ودوائر رسمية اخرى بينما لا نجد ذلك التطور في القسم الآخر من المدينة والتي تسمى بالصوب الكبير.
المدينة القومية ربما مصطلح جديد يستخدمه القوميون اينما تواجدوا والى أي قوم انتموا. هذا المصطلح القومي للمدينة جاء مع انتشار الفكر القومي خاصة في اوربما مع نهايات الحرب العالمية الاولى وانتشرت في الشرق كذلك. التاريخ يحدثنا بان المدن يتم إنشاءها في عملية تطورية او بقرار كيان سلطوي حاكم عسكري او مدني او حزب سياسي شمولي حاكم وحتى هناك مدن أسسها أشخاص عاديين وتسمى لحد اليوم باسم تلك العائلة.
ان اقدم المدن تتواجد في الشرق وربما تكون مدينة اربيل عاصمة إقليم كوردستان إحدى المدن النادرة والتي لا تزال مأهولة في قلعتها القديمة والتي تعود لعهود حضارات العراق القديم. هناك مدن أخرى قديمة في المنطقة كما هي عليها في مدن تركيا الحالية من استانبول وإنطاكية والرها وفي سوريا العاصمة دمشق ومدن قديمة في العراق ك النجف وكركوك ونينوى وحديثة ك بغداد والبصرة والسليمانية. جل تلك المدن كانت حواضر وتطورت عبر الزمن من مدن صغيرة الى مدن تسكنها الملايين. وربما كانت في الاساس مكان يستريح فيه القوافل ويتزودون بالزاد والماء او أسواق موسمية يلتقي فيه الفلاحون لتبادل منتوجاتهم الزراعية والحيوانية وشراء الآلات والأدوات ألازمة للفلاحة والمنزلية منها كالقدور والحاجيات الاخرى. كما نرى ان هناك مدنا كانت في البدا مجرد معسكرات لجيوش تطورت الى قلاع وحصون وبني المد\ن حولها تدريجيا. كما ان هناك مدنا مقدسة دينية كما هي مكة والقدس والمدينة المنورة وكربلاء وقم ومشهد وقونيا حيث مرقد احد مؤسسي التصوف مولانا جلال الدين الرومي الذي يحتفل العالم بمرور 800عام على بزوغ فكره المتنور وشروقه على أفئدة ذوي العقول والنفوس الطاهرة.
الذي يهمنا ها هنا ان نؤكد بأنه ليس هناك مدينة قومية بمعناه الشامل أي بناها قومية معينة وسكنها أبناء ذلك القوم بالتحديد ومنحصرا عليهم لا في العصور القديمة ولا الحديثة.
اذا نرى اليوم ان العديد من القوى السياسية وخاصة القوميين منهم ينعتون مدنا بالعربية او الكوردية او التوركمانية او الفارسية وهلم جر وكان اخر ما كتب عن مدينة كركوك في وثيقة سياسية ونعتت بالمدينة العربية.
أليس ذلك إجحافا على اهل كركوك الكرام بنعت مدينتهم بتلك التسميات في حين ان المدينة احتضنت الكورد والتوركمان جنبا الى جنب في ما لا يزيد عن 1000 عام دون خصام. ونرى ان كركوك القديمة كانت احيائها تسمى بالقاطنين فيها ك محلة العرب ومحلة نصارى القلعة في القلعة "قلعة جاوري" واخرى للعرب الحدييين ولليهود خاصة الأسواق وللأقوام الأخرى وهناك كذلك احياء تسكنها اقلية عقائدية معينة فتسمى الحي باسمهم وربما هناك صناع او مهنيين فتسمى الحي باسم هؤلاء الذين يزاولون تلك الصنعة بتلك الصنعة. كذلك نرى ان هناك احياء سمي باسم احد الموفورين الأغنياء والمتمكنين من اهل المدينة وهناك طبعا أصحاب العقائد ورجال الدين البررة والمصلحين المبروكين حيث يتحول سكنهم الى مراقد او أماكن يامها الناس للتبرك وطلب الشفاعة ونذر النذور والقرابين.
سلاما لمدينة المحبة الكوردستانية كركوك وأهلها الكرام وليبعد البارئ عز وجل الشر والشريرين عن أرضها الطيبة المعطاة.
(SB)
|
|
 |
آخر الاخبار |
 |
|