حكومة اقليم كوردستان
FRI, 24 OCT 2014 12:29 Erbil, GMT +3

حرية الدين أو المعتقد في العراق بين التطرف والأعتدال

WED, 30 APR 2008 21:27 | KRG.org

يعد موضوع الحق في الحرية الدينية أو المعتقد في العراق من المواضيع الحساسة والحيوية التي لها صلة وطيدة مع حقوق الأنسان وبناء قيم الديمقراطية , تلك الحقوق التي صار إحترامها الطوعي من الحاكم والمحكوم معيارا لأحترام الدستور والقانون ومقياسا للرقي الحضاري الذي تتسابق اليه الأمم والشعوب من أجل تحقيق الأستقرار والسلام الذي هو قانون الحياة . ومن الطبيعي جدا أن تهدر هذه الحقوق في ظل الأنظمة الأستبدادية القائمة على حكم الحزب الواحد والقائد الأوحد أو الفكر الشمولي المتطرف مثل حكم البعث – صدام في العراق الذي إنتهكت فيه كل الحقوق للبشر بلا إستثناء وارتكبت في ظل هذا النظام الفاشي جرائم خطيرة ضد حقوق الأنسان وبخاصة ضد حرية الديانات و المعتقدات ومن ذلك مثلا ما أصدره ما يسمى بمجلس قيادة الثورة قرارات جائرة توقع عقوبة الأعدام على أتباع المذهب البهائي منذ عام 1970 كما جرى تضييق الخناق على حرية ممارسة الشعائر الدينية والمذهبية ووصل الأمر الى حد منع أو مصادرة أو حرق المؤلفات والكتب والمراجع للمذهب الشيعي ومنع إنشاء الكيانات أو التجمعات الدينية والمذهبية كما جرت تصفيات جسدية للمئات من الشخصيات الدينية والمذهبية ووصلت درجة التمييز والاضطهاد الديني والطائفي من خلال إسم المواطن وهي سياسة متطرفة تكشف عن كراهية الأخر سببت الكوارث في العراق , وجميع هذه الجرائم والانتهاكات موثقة لدى منظمة العفو الدولية ومنظمات حقوق الانسان والجهات الدولية المختصة .
و هذه الجرائم ارتكبت بدوافع وهمية هي الحفاظ على المصلحة العامة أو حماية النظام العام والتي تعني من بين ما تعنيه مصلحة الحكم والحاكم وسياسته الطائفية وتقييد الحريات الدينية والتضييق على المعتقدات , وبما إن هذه الأنتهاكات هي من جوهر الأنظمة التي تقوم على ممارسة قانون القوة من خلال السلطة التنفيذية لهذا سوف لن نتطرق في هذه السطور الى قضية إهدار حقوق الانسان في ميدان الحق في الحرية الدينية أو المعتقدات في ظل النظام الدكتاتوري السابق الذي ولى الى غير رجعة منذ 9 نيسان 2003 وإنما سنحصر كلامنا في مجال مفهوم الحرية الدينية وموقف المجتمع الدولي منها طبقا للضمانات الواردة في الوثائق الدولية ومن ثم عن محنة العراقيين بعد تحرير العراق من هذا الحكم الدكتاتوري وما تعرض له العديد من أتباع الديانات والطوائف من إنتهاكات وجرائم خطيرة من الأرهابيين والمتطرفين والمتعصبين وما يجب على الحكومة الفيدرالية الحالية ووسائل الأعلام والمثقفين ومنظمات المجتمع المدني القيام به من أجل ضمان ممارسة هذا الحق الأنساني بحرية كاملة ووفقا للدستور والقانون ومن أهمية تشجيع الحوار وإشاعة روح التسامح .
وبما إنني من المنادين بالحوار بين أتباع الديانات والمذاهب والمعتقدات ومن الداعمين لنشر الوسطية أو الاعتدال فأنني أرى إن قضية الحرية الدينية أو المعتقد هي من الركائز الأساسية للمجتمعات الديمقراطية المنتجة والمستقرة والتي تقوم على أساس التداول السلمي للسلطة واحترام حقوق الانسان والقانون طواعية من الجميع , ففي حجب هذه الحرية أو تقييدها أو الافراط في التطرف وإرتكاب جرائم ضد اتباع الديانات والمعتقدات والمذاهب تتولد أجيال تؤمن بالتعصب والكراهية وتنبذ التسامح والحوار وتتبنى التسلط وهو ما يزعزع الأستقرار ويعرقل تطور المجتمع , ولا يمكن بناء السلام مع وجود الفكر التكفيري والتطرف الديني والمذهبي الذي يجد الظروف المناسبة الآن في العراق بسبب المناهج التعليمية أولا والبطالة التي تضرب بالمجتمع ثانيا وشيوع الفساد المالي والاداري وإنعدام تكافؤ الفرص والخدمات الأساسية للأنسان وغياب العدل والعدالة , ولأسباب إخرى ...
ولعل أهم ما يسئ للحرية الدينية أو المعتقدات ولحرية التفكير والتعبير إنعدام وجود مفردات ضرورية في المناهج التعليمية في جميع المراحل الدراسية تحترم حق الأختلاف وتشيع الحوار أي المجادلة و الأعتراف بالأخر والتسامح وتنبذ الغلو , إذ ان مراجعة بسيطة الى هذه المناهج تكشف عن حقيقة التربية والتعليم في العراق التي هي إمتداد للمدرسة القومية العربية والأسلامية المتطرفة حيث نجد مثلا في كتب ( التربية الاسلامية ) مفردات الجهاد والقتال والغزوات والحروب وقيم إلغاء الأخر فضلا عن التكفير والعبادة الأحادية الدين دون أية إشارة للديانات والمعتقدات الاخرى وهو ما يعني تكفير غير المسلم وهذا خطأ كبير , إذ يجب أن تكون هناك ثقافة جديدة تشيع الحوار والتسامح والوسطية والاعتراف بالحرية الدينية أو المعتقد ضمن منهاج جديد للتربية الدينية التي لا تقتصر على الدين الاسلامي فقط وتؤسس للتربية الحديثة البعيدة عن المغالاة لاسيما وأن العراق بلد التعددية الدينية والفكرية والقومية والمذهبية والمعتقدات والمدارس والطرق وفقا لما نص عليه الدستور , رغم إن البعض من العراقيين العرب المتطرفين ينكر هذه التعددية القومية ويعتبر العراق بلدا عربيا خالصا وهويتة عربية .
ومما يتعلق بذلك فأن المناهج الدراسية العراقية وتحديدا مناهج التربية الأسلامية ومناهج التربية الوطنية والتاريخ هي محل دراسات وتحليلات علمية من الباحثين المتخصصين في المعاهد الدولية في الولايات المتحدة الامريكية وغيرها للتوصل الى معرفة كيفية بناء عقلية الأجيال في العراق وعلى أي طريقة يتم تربيتهم وتدريسهم , وكيف يثقفون من الحكومات , ومن أهم هذه المعاهد الدولية المتخصصة بذلك معهد هدسون في واشنطن www.hudson.org ومعهد السلام http://www.usip.org/ .

تحديد مفهوم الحرية الدينية :
المقصود بالحرية الدينية أو حرية المعتقد ضمن نطاق الحقوق الأساسية للبشر هي تخلص الأنسان من القيود في أن يعتنق ما يشاء من ديانة أو مذهب أو أفكار دينية أو أن لا يعتنق أي معتقد كان , ولهذا فأن هذا الموضوع يدخل ضمن إطار الحق في حرية التفكير والتعبير كجزء أساسي من إحترام حق الانسان في بناء منظومته المعنوية وفلسفته في الحياة , غير إن هذه المسألة قد تكون مصدرا لزعزعة الأمن والأستقرار وربما سببا للحرب الأهلية , إذ يدور السؤال عن مدى ونطاق هذه الحرية وعن حدودها لكي لا تصطدم بحقوق الآخرين أو تخالف النظام العام والأداب العامة , كما قد تكون حرية الدين أوالإعتقاد مناخا صحيا للتعايش بين جميع بني البشر والعيش بسلام ضمن إطار القانون حيث تشير تجارب العديد من البلدان المتحضرة مثل بريطانيا والسويد وأمريكا وغيرها الى وجود تعايش بين كل الأديان والمعتقدات دون مشاكل لأنها تخضع للقانون , ففي بريطانيا مثلا تجد أحيانا في الشارع الواحد أكثر من مكان مقدس يمارس فيه أتباع الديانات المختلفة طقوس عباداتهم بحرية كاملة وبسلام وأمان وفقا للقانون دون إصطدام بين هذه الديانات والمعتقدات . ومن الجدير بالذكر إن المناهج الدراسية في السويد تعطي للطالب معلومات مختصرة ومحايدة عن مختلف الديانات والمعتقدات للبشر وعن رموزها الدينية بلا تمييز ولا إنحياز لطرف على آخر وتترك الحرية للشخص في أن يختار الدين أو المعتقد أو أن لايعتقد بشئ .
إن التمييز بين البشر على أساس القومية أو العرق أو اللون أو الجنس أو الدين أو المذهب أو المعتقد جريمة تدخل ضمن نطاق سياسة عدم المساواة بين الناس , ولهذا لا يجوز مطلقا إقامة التفرقة في الدولة والمجتمع على أي نحو من هذه الأسس لأن هذا الاختلاف لا ينقص من القيمة الأنسانية للانسان ولأن جميع البشر سواسية في الحقوق والواجبات , ومما يدخل في ذلك إن من حق كل إنسان أن يكون له دين أو معتقد أو أن يتخلى عن ديانته ويبدلها أو أن لا يعتقد بدين ولا بمعتقد شرط أن يحترم معتقدات الأخر مادامت مكفولة دستوريا وقانونيا وإنسانيا , كما أن تكفير الآخر بسبب إختلاف الدين أو المعتقد أو بسبب عدم الأعتقاد هو جريمة تترتب عليها المسؤولية القانونية لأن هذا التكفير ينتهك الحقوق , ومصدر التكفير هذا يعود للتطرف وسببه التعصب أو الأنغلاق ولهذا فأن الأعمال التكفيرية هي جرائم عمدية يستحق فاعلها العقاب .
والسؤال المطروح هو ما الذي تشمله حرية الدين والمعتقد من مضمون ؟
للجواب على هذا السؤال نقول بأختصار إن المقصود بذلك هو أن يكون لكل إنسان حق في بناء منظومته الروحية وحق في ممارسة شعائره وطقوسه دون قيود ولا تدخل من أحد وأن يزور أماكن عبادته أو ديانته ويلتقي مع غيره بلا رقابة , وأن يكون للأنسان حق التجمع وحق الأنضمام في جمعيات وفي أنشاء هذه الكيانات وطباعة المطبوعات والكتب والنشريات , بشرط عدم الأساءة لطرف أو تجريح لأي دين أو معتقد أو السخرية من الشعائر الدينية أو التشويش عليها أو التحريض ضد الأخر أو إشعال الفتن , وله الحق في التمتع بعطلة لها طابع ديني كالأعياد والمناسبات الدينية أو التي لها صلة بالمعتقد أو المذهب , وكمثال نقول إن في العديد من البلدان يؤمن البعض من مواطنيها بعقيدة ترفض العنف وتمتنع عن حمل السلاح عند إداء الخدمة العسكرية مما يوجب إحترام ذلك وعدم جواز إجبار هذا المواطن على حمل البندقية أو المسدس حتى ولو كان واجبه الوظيفي يوجب عليه حمل السلاح وهذا ما يسمى بــ (( الاعتراض الضميري على الخدمة العسكرية )).

كما نشير الى موقف الإعلان العالمي لحقوق الأنسان بأعتباره وثيقة قانونية ومعنوية ذات صبغة دولية تحترم نصوصها الدول التي وقعت عليها وأرتضت بها , حيث جاء فيه مبدأ المساواة بين البشر وحق التمتع بكافة الحقوق والحريات الواردة في الأعلان دون تمييز بسبب العنصر أو اللون أو الدين أو اللغة أو غير ذلك ( المادة 2 ) , ونصت المادة 18 بكل وضوح على مايلي: (( لكل شخص الحق في حرية التفكير والضمير والدين , ويشمل هذا الحق حرية تغيير ديانته أو عقيدته , وحرية الإعراب عنها بالتعليم والممارسة وإقامة الشعائر , ومراعاتها , سواء أكان ذلك سرا أم مع الجماعة )) . ومما يتعلق بذلك ما نصت عليه المادة 20 أيضا في إن لكل شخص الحق في حرية الأشتراك في الجمعيات والجماعات السلمية , كما إن حق الحرية الدينية أو المعتقد نصت عليها أيضا الاتفاقية الدولية بشأن الحقوق الأقتصادية والاجتماعية والثقافية لعام 1966 , وجاء في المادة 20 من الأتفاقية الدولية بشان الحقوق المدنية والسياسية على تحريم أية دعوة للكراهية القومية أو العنصرية أو الدينية من شأنها تشكل تحريضا على التمييز أو المعاداة أو العنف .
وطبقا الى إعلان الأمم المتحدة للقضاء على جميع أشكال التمييز على أساس الدين أو المعتقد الصادر في 25 تشرين الثاني/نوفمبر 1981، أعلنت الجمعية العامة أنها تضع في اعتبارها أنه من الضروري تعزيز التفاهم والتسامح والأحترام في المسائل المتعلقة بحرية الدين أو المعتقد، وأنها قد حزمت أمرها على إتخاذ جميع التدابير الضرورية للقضاء قضاء سريعاً على مثل هذا التعصب بكل أشكاله ومظاهره، ولمنع ومكافحة التمييز على أساس الدين أو المعتقد.

ونستطيع أن نلخص بعض أهم بنود الأعلان على النحو التالي :

اولا- ضمان الحرية الدينية لكل انسان وحق ممارسة الشعائر حسب القانون .
ثانيا – منع التمييز على اساس الدين أو المعتقد لأن هذا التمييز يشكل إهانة للكرامة الإنسانية وإنكاراً لمبادئ ميثاق الأمم المتحدة وانتهاكا لحقوق الانسان .
ثالثا – مسؤولية العائلة في تربية الأولاد بعيدا عن التطرف والتعصب ومنح الأولاد حرية التفكير والتعبير دون إكراه .
رابعا - تكفل التشريعات المحلية الحقوق والحريات المنصوص عليها في الإعلان على نحو يمكن كل فرد من التمتع بها ومنها الحرية الدينية للانسان وحرية الاعتقاد أو عدم الاعتقاد .
خامسا - عدم جواز تلقي الأشخاص لتعليمات أو لتعليم ديني أو مذهبي أو معتقد يتنافى مع القيم الروحية للشخص وعدم جواز فرض قسم يخالف دين الأنسان .

موقف اللجنة الأمريكية لحرية الأديان الدولية :
تعتبر هذه اللجنة من الوكالات الفيدرالية المستقلة أسسها الكونغرس الامريكي عام 1998 لرفد الحكومة الأمريكية بالمشورة حول أفضل السبل لتحسين حق حرية الفكر والوجدان والدين أو المعتقد المعترف به دوليا كجزء من السياسة الأمريكية للترويج لثقافة حقوق الانسان حول العالم دون أن تكون معنية بحماية أو دعم أي دين أو معتقد , وإن الدراسات التي أنجزتها هذه اللجنة عن اوضاع الحرية الدينية أو المعتقد في البلدان الاسلامية وبخاصة في العراق تشير الى وجود انتهاكات لحقوق الانسان في العراق وفي بلدان اسلامية اخرى وهو ما يتناقض مع الوثائق الدولية التي تنص على ضرورة حماية هذا الحق في الحرية الدينية والأبتعاد عن سياسة التمييز والأضطهاد الديني .
وقد زرت هذه اللجنة في تشرين الاول من عام 2005 والتقيت بالمسؤولين والعاملين فيها ومنهم السيد Robert C. Blitt في واشنطن وقد دار حوار مفصل حول الحرية الدينية في العراق بعد عام 2003 والقيود المفروضة والأضطهاد الذي يتعرض له أتباع الديانات الأخرى من غير المسلمين وحملة الاغتيالات والتصفيات الجسدية ضد شخصيات دينية أيضا وهو ما يؤثر سلبا على التعايش والاستقرار والسلم الأهلي , وقد تبين لي أن لدى اللجنة معلومات تفصيلية حول هذا الشأن , ثم جرى الحديث عن الأوضاع في كوردستان العراق فأوضحت بأن الحرية الدينية متوفرة هناك وإن مئات العوائل من المسيحيين والصابئة المندائية والأيزيدية وحتى من المسلمين قد وجدوا ملاذا آمنا لهم في كوردستان , علما إن الأيزيديين قد تعرضوا مؤخرا الى جرائم بشعة تعد من جرائم الابادة من قبل الارهابيين في مناطقهم مثل سنجار التي هي حاليا خارج حدود إقليم كوردستان ومشمولة باحكام المادة 140 من الدستور العراقي .
ومن الجدير بالذكر أن احدى دراسات هذه اللجنة والمتعلقة بالفصل بين الدين والدولة والحريات الدينية اشارت الى أن عدد الدول التي يسود فيها الأسلام هي 44 دولة وبعضها من الدول العلمانية التي لا تسمح للدين التدخل بشؤون الدولة ولا بالسياسة والبعض الأخر لم يفصح عن إن الأسلام دين الدولة الرسمي بينما تتبنى 15 دولة منها القانون الاسلامي كمصدر للتشريع ومنها العراق .
ومن المفارقات أن يكون أكثر من نصف المسلمين في العالم يعيشون في بلدان غير اسلامية يتمتعون بحق الحرية الدينية بينما لا يتمتع بمثل هذه الحرية أتباع الديانات الاخرى من غير المسلمين في كثير من البلدان الاسلامية .

موقف الدستور العراقي لعام 2005 :
لا يمكن بناء الديمقراطية وترسيخ مفاهيم السلام والتسامح والحوار ونشر الأعتدال والتداول السلمي للسلطة وإحترام حقوق الأنسان ودولة القانون في ظل ممارسات الأضطهاد الديني والمذهبي والتضييق على الحرية الدينية أو المعتقد وتعطيل حرية التفكير والتعبير لأن الحرية ملازمة للديمقراطية فلا ديمقراطية بلا حرية ولا حرية بلا قانون ولا شرعية لقانون اذا خالف الدستور . وطبقا للدستور العراقي لعام 2005 فان المادة 2 من من الباب الأول المتعلق بالمبادئ الأساسية نصت على فقرتين وهما :
اولا- الأسلام دين الدولة الرسمي وهو مصدر اساسي للتشريع :
1- لا يجوز سن قانون يتعارض مع ثوابت أحكام الأسلام .
2- لا يجوز سن قانون يتعارض مع مبادئ الديمقراطية .
3- لا يجوز سن قانون يتعارض مع الحقوق والحريات الأسياسية الواردة في هذا الدستور .
ثانيا – يضمن هذا الدستور الحفاظ على الهوية الأسلامية لغالبية الشعب العراقي , كما ويضمن كامل الحقوق الدينية لجميع الأفراد في حرية العقيدة والممارسة الدينية كالمسيحيين والأيزديين والصابئة المندائيين .
إن هذا النص الدستوري لم يذكر حرية الدين والمعتقد والمذاهب على نحو ما اِشارت اليه الوثائق الدولية سالفة الذكر رغم إن نص المادة 3 من الدستور اعترفت بأن العراق بلد متعدد القوميات والأديان والمذاهب كما أغفل اليهود العراقيين وحقوقهم . وفي اثناء عملنا في لجنة كتابة الدستور العراقي عام 2005 كنا قد اعترضنا على صياغة هذا النص وسجلنا تحفظات على كثير من النصوص وطالبنا بأن يكون هناك انسجام بين الدستور العراقي والأعلان العالمي لحقوق الانسان والوثائق الدولية ذات الصلة بالحرية الدينية وحرية المعتقد ومع حقوق الانسان الاخرى أيضا .
لقد أثير الكثير من الجدل على هذا النص الدستوري , فالدولة شخصية معنوية في حين إن الدين يرتبط بالشخص الطبيعي , وصحيح إن غالبية العراقيين هم من المسلمين ولكن لا يجوز فرض أحكام الديانة الاسلامية على غير المسلمين , فضلا عن إن ثوابت الاسلام غير متفق عليها بين فقهاء المسلمين , وتجدر الاشارة الى أن هذا النص الدستوري جاء نقلا عن قانون ادارة الدولة للمرحلة الانتقالية الصادر عام 2003 في عملية أريد بها التوازن بين الاتجاه الاسلامي والاتجاه العلماني الليبرالي ولكن الذي حصل هو إن ما أعطي باليد اليمنى تم استرداده باليد اليسرى , وعلى سبيل المثال إن الاعلان العالمي لحقوق الانسان لعام 1948 وبموجب هذا النص الدستوري لا يمكن الأخذ بكثير من بنوده بحجة انها تخالف قواعد الاسلام , ثم كيف يمكن حل التنازع بين مبدأ من مبادئ الديمقراطية يتعارض مع احدى الثوابت في الاسلام ؟ فالديمقراطية تعنى المساواة الكاملة بين البشر مهما كان اللون أو الجنس أو القومية أو اللغة أو الاصل أو الدين وهو يصطدم مع ثوابت الاسلام وخاصة ما يتعلق بالمساواة بين المرأة والرجل في الحقوق والواجبات .
وفي نطاق الحقوق والحريات العامة جاء في المادة 14 من الدستور مايلي :
(( العراقيون متساوون أمام القانون دون تمييز بسبب الجنس أو العرق أو القومية أو الاصل أو اللون أو الدين أو المذهب أو المعتقد أو الرأي ... .....)) وهذا المبدأ يدخل ضمن الحقوق المدنية والسياسية , وقد وافقت اللجنة الدستورية على أغلب المقترحات المقدمة من قبلنا والواردة في الباب الثاني من الدستور وهي (( المواد من 14-46 )) إلا أنه جرى تعديل بعض المقترحات بحجة انها تخالف الاسلام .
ومما يتعلق بحرية الدين أو المعتقد ما جاء في المادة 41 من الدستور حيث ورد مايلي : ( العراقيون أحرار في الالتزام بأحوالهم الشخصية حسب دياناتهم أو مذاهبهم أو معتقداتهم أو اختياراتهم وينظم ذلك بقانون ) كما جاء في المادة 42 ايضا ما يلي : ( لكل فرد حرية الفكر والضمير والعقيدة ). كما ورد في المادة 43 : (( اولا- اتباع كل دين أو مذهب احرار في : أ- ممارسة الشعائر الدينية بما فيها الشعائر الحسينية . ب – ادارة الاوقاف وشؤونها ومؤسساتها الدينية , وينظم ذلك بقانون . ثانيا – تكفل الدولة حرية العبادة وحماية اماكنها ) .
إن النص على الشعائر الحسينية في الفقرة ( أ ) ليس لها مبرر لأن جميع اتباع الديانات والمذاهب لهم الحق الدستوري في ممارسة شعائرهم .

موقف قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969 المعدل
إعتبر قانون العقوبات إن من بين الجرائم الاجتماعية هي الجرائم التى تمس الشعور الديني ( المادة 372 ) واعتبرها جنحة وليست جناية وعقابها هو الحبس لمدة لا تزيد على ثلاث سنوات أو بغرامة لا تزيد على ثلثمائة دينار في الحالات التالية وهي :
1- من اعتدى باحدى طرق العلانية على معتقد لإحدى الطوائف الدينية أو حقر من شعائرها .
2- من تعمد التشويش على إقامة شعائر طائفة دينية أو على حفل أو اجتماع ديني أو تعمد منع أو تعطيل إقامة شئ من ذلك .
3- من خرب أو أتلف أو شوه أو دنس بناء معدا لأقامة شعائر طائفة دينية أو رمزا أو شيئا آخر له حرمة دينية .
4- من طبع ونشر كتابا مقدسا عن طائفة دينية اذا حرف نصه عمدا تحريفا يغير من معناه أو اذا استخف بحكم أو شئ من تعاليمه .
5- من أهان علنا رمزا أو شخصا هو موضع تقديس أو تمجيد أو احترام لدى طائفة دينية .
6- من قلد علنا نسكا أو حفلا دينيا بقصد السخرية منه .
ومن الجرائم الاجتماعية ايضا هي انتهاك حرمة الموتى والقبور والتشويش على الجنائز والمآتم ( المواد 373 -375 ).لأن الاعتداء على القبور والمساس بحرمة الأموات أيا كانت ديانة الشخص هي من الجرائم التي تمس بالمجتمع وبالأديان والمعتقدات .
والى جانب قانون العقوبات العراقي الذي لم يعد ملائما في كثير من نصوصه مع التطورات المتلاحقة في المجتمع مع انتشار جرائم الارهاب وجرائم الاحتيال الالكتروني وغيرها ولسد النقص الموجود في هذا القانون فان المشرع العراقي أصدر قانون مكافحة الارهاب رقم 13 لسنة 2005 . وقد عرفت المادة الاولى منه المقصود بالارهاب , وحددت المادة الثانية منه الافعال الارهابية حيث جاء فيها بأن أي تهديد أو عنف ضد الاماكن التي يجتمع فيها جمهور الناس والمقصود بها المساجد والكنائس ومحلات العبادات للديانات الاخرى يعد جريمة إرهابية , كما يعد من الارهابيين كل من يثير الفتنه أو الحرب الاهلية أو الاقتتال الطائفي والمليشيات المسلحة .

محنة العراقيين وضرورة الوسطية أو الأعتدال :
تعرض أتباع الديانات و المعتقدات من غير المسلمين وأتباع المذاهب من المسلمين بعد 2003 الى سلسلة من الأنتهاكات و الجرائم التي كانت بعضها بمثابة إبادة للجنس البشري وفقا لوصف القانون الدولي الأنساني وكاد العراق – عدا كوردستان – أن يصل الى شفا حفرة الحرب الأهلية بسبب سياسة الثأر والانتقام وردود الافعال وغياب القانون وضعف مؤسسات الدولة والتي تعتبر في جزء كبير منها نتيجة لسياسات النظام الدكتاتوري السابق .
فالمسيحيون والصابئة المندائيون والأيزيديون نالهم من الأنتهاكات والتمييز والجرائم الكثير وبلغت حدا لا يمكن السكوت عليها , ويتوجب على مؤسسات الدولة العراقية والدول التي تحترم حقوق الانسان وجميع المنظمات الدولية ومنظمات المجتمع المدني والمثقفين والشخصيات دعم ومساندة اتباع هذه الديانات المسالمة وحمايتهم من الأرهابيين والتكفيريين ممن يلبسون ثوب الاسلام ويمارسون الانتهاكات والجرائم ضد غير المسلمين , كما بلغ الأقتتال الطائفي والمذهبي بين المسلمين درجة خطيرة صارت تهدد مستقبل البلاد .
لقد تعرضت الكنائس الى جرائم خطيرة فضربت وهدمت أعداد كبيرة منها وأغتيل العديد من المطارنة في الموصل وبغداد وغيرها نذكر منهم مثلا المطران فرج رحو والأب يوسف عادل , اضافة الى قتل وتهجير العديد من اتباع الديانة المسيحية بسبب انتمائهم الديني , وهي افعال تستحق الشجب والاستنكار والادانه والمحاسبة القانونية .
أما الأيزيديون فقد تعرضوا الى سلسلة من الهجمات الأرهابية والقتل على الهوية من الأرهابيين والتكفيريين والى سياسة التمييز الديني في مناطق مختلفة وبخاصة في الموصل وسنجار ولا تزال سياسة التمييز الديني موجودة حتى الأن ضدهم , إذ لا يجوز مثلا تطبيق أحكام الفقه الحنفي على قضاياهم المتعلقة بالأحوال الشخصية من القضاء العراقي , فكيف يطبق الفقه الحنفي وهو مذهب اسلامي على شخص غير مسلم كما هو معمول به الآن ؟ ونتساءل أيضا كم قاضي أو قاضية من الأيزيديين يشغلون منصب القضاء في العراق اليوم أو أي منصب وظيفي رفيع ؟
لا يكفي أن ينص الدستور على التعددية الدينية في العراق وانما يجب أن يطبق ما فيه على أرض الواقع وأن تكون هناك حماية حقيقية لحقوق جميع اتباع الديانات والمذاهب والى أماكن عباداتهم ومراقدهم المقدسة واحترام شعائرهم وتعاليمهم الدينية .
كما لحق طائفة الصابئة المندائية - وهم أحفاد الحضارات العظيمة التي قامت في وادي الرافدين - إنتهاكات لحقوقهم وأرتكب الأرهابيون والمتطرفون جرائم بشعة ضدهم لاسيما في مناطق بغداد مما أضطر كثير من العوائل الى الهجرة من بغداد الى دول الجوار والى كوردستان التي صارت ملاذا أمنا لهم . وعلى الرغم من مشاركة ممثل عن الصابئة المندائية في لجنة كتابة الدستور واعتراف الدستور بالتعددية الدينية والمذهبية وبالحقوق المتساوية للجميع إلا إن الصابئة المندائيين ما يزالون يعانون من التمييز الديني في كثير من المجالات منها مثلا في مجال الوظيفة العامة . لقد أجبر العديد من الصابئة على اعتناق الاسلام بفعل التهديد , وجرى تكفيرهم من قبل التكفيريين والأرهابيين والمتطرفين من المسلمين وتعرضوا الى القتل على الهوية في الفلوجة وفي البصرة والناصرية وبغداد ومناطق مختلفة مما يهدد هذه الطائفة بالزوال بسبب هذه الجرائم التي ترتكب أمام سكوت العالم وصمت غير مبرر من جميع الأطراف . وتقع على الحكومة العراقية مسؤولية حمايتهم واحترام حقوقهم الدينية وغير الدينية ومنها ضرورة حماية لغتهم الآرامية القديمة , كما يقع على المرجعيات الدينية الاسلامية واجب تنوير الناس بضرورة احترام حقوق كل اتباع الديانات والمعتقدات الأخرى من غير المسلمين وتحريم سفك دمائهم ونهب اموالهم . .
أما اليهود العراقيون الذين لم يبق منهم في العراق إلا أعدادا محدودة لا تتجاوز أصابع اليد بسبب سياسات الأنظمة السابقة ضدهم فقد بقيت أموالهم المنقولة وغير المنقولة مجمدة حسب القوانين العراقية الصادرة منذ العهد الملكي , فضلا عن اسقاط الجنسية العراقية عنهم لأسباب دينية , وهذه أعمال باطلة تخالف جميع الوثائق الدولية , وحتى الدستور العراقي لعام 2005 لم ينصفهم بالرغم من إنه ينص في المادة 18 منه على منع اسقاط الجنسية العراقية عن العراقي لأي سبب من الاسباب وأعطى الحق لمن اسقطت عنه الجنسية العراقية طلب استعادتها .
إن الواجب الدستوري والقانوني والأنساني يوجب حماية حق الحرية الدينية أو المعتقد للجميع وإشاعة الوسطية والأعتدال ومحاربة الأرهاب وتطهير العراق من التكفيرين والوقوف بحزم ضد الاسلاميين المتطرفين سواء من السنة والشيعة , وسحب جميع قطع السلاح من الأشخاص والميليشيات وعصابات الجريمة المنظمة وحصرها بمؤسسات الدولة الأمنية والعسكرية ومنع تشكيل أو إستمرار المليشيات وإعادة النظر في المناهج الدراسية وبضرورة تفعيل الدستور واحترام حقوق الانسان وتعويض المتضررين ومحاسبة المسوؤلين عن هذه الجرائم ونشر ثقافة السلام والحوار بدلا من ثقافة التطرف والكراهية .
وفي هذا السياق نعتقد بأن أماكن العبادة المقدسة لا يجوز أن تكون مصدرا للفتنة والتحريض ونشر التطرف كما يحصل في مناطق مختلفة من العراق , ولا حصانة لأي رمز ديني اذا قام بتحويل الأماكن المقدسة الى مقرات للخطب الساخنة التحريضية ومحلات للعمل السياسي وخزن السلاح وأماكن لتقييد الحرية , وهو مسؤول جنائيا ومدنيا عن أفعاله , ومع الأسف فقد مارس هذا السلوك جانب من السنة وجانب من الشيعة أيضا وهو ما يضر بالمصلحة الوطنية العليا , وما تزال هناك العديد من مواقع الانترنيت تنشر الأحقاد والتطرف وتحرض على الثأر والانتقام وتشجع على الجرائم الارهابية وهي بعيدة عن المحاسبة القانونية وهذا ما يشجعها على هذا النهج الاجرامي مادام المسؤولون عن إدارتها بعيدين عن العقاب .

السويد
‏الأربعاء‏، 30‏ نيسان‏، 2008